Le schéma culturel implicite dans le discours littéraire sur les réseaux sociaux

تعتبر ثقافة المواقع الاجتماعية من الفنون الرقمية، وهي مجال خصب للدراسة، تفرض وجودها في زمن العولمة التي أصبحت شكلا جديدا يعكس التطور الحاصل في عالمنا المعاصر. وهذا المجال لم ينل حظا وافرا من الدراسات العلمية والأكاديمية بالمقارنة مع الثقافة التي اعتمدت عبر تاريخ طويل على الورق. ويعود تأخر الاهتمام الكبير بالبحث في ثقافة هذه الوسائط لاعتبارات عدة، أهمها نزع صفة الثقافة عن الوسيط الرقمي الجديد لدى كثير من المهتمين، وذلك لإعطاء اللغة العربية المكتوبة في الوطن العربي امتدادا ثقافيا يستجيب للتصور الرسمي والسياسي لمفهوم الثقافة، دون كبير اهتمام بالتنوع الثقافي الذي احتضنته دول الغرب كقوة تنموية كبيرة، تسهم في بناء حضارته، في زمن تلعب فيه العولمة والوسائط الاجتماعية والتواصلية دورا كبيرا في التحولات التكنولوجية والثقافية المعرفية.
ومن هذا المنطلق أصبحت فكرة البحث في موضوع الثقافة عبر الوسائط الاجتماعية ضرورة، وتحديدا ما تضمره الخطابات الثقافية المتنوعة عبر أنساقها المشتبكة. وليس يعني البحث في هذا المجال سوى لحظة، هدفها التأمل في لغة حفظها المجتمع رغم الاكتفاء القسري على التخاطب الورقي لفئة عريضة من المجتمع العربي. وفي البحث دليل على أن لغة الوسيط الرقمي، لا تخرج عن اعتبار اللغة ذلك الوعاء الذي يختزن ثقافة المجتمع ، تلك اللغة التي تحمل آليات الحفاظ على نفسها من خلال أشكال تعبيرية متعددة، منها الشعر والسرد وغيرهما من أشكال التعبير كالصورة والخاطرة والعبارة الخاطفة، وغيرها … إنها ثقافة تترجم جانبا مهما من حياة المجتمعات، والتي تحمل نفس الخصائص التي تحرك رؤية الإنسان لواقعه ومستقبله، عبر أشكال التعبير الجديدة التي يتعايش معها عبر الوسيط العولمي الأزرق، كضرورة وجودية. وهذا الأمر يسمح بالكشف عن مكنونات ظلت مقموعة في طيات الإحساس والشعور بالرقابة على ما يمكن أن يصدر عن الإنسان من سلوكات وأقوال وأفعال، همُّه الأول هو تحقيق الذات من خلال افتراضات تواصلية جمالية، لا تخلو من استنطاق المضمر الذي لا يسمح به الخطاب النصي المباشر، اعتبارا أن اللغة هي تاريخ للمجاز، بل علامات رمزية إلى جانب باقي العلامات التي تنتظم في نسق نفعي تواصلي أساسا.
والنقد الثقافي يبحث في المضمرات الدلالية المركونة خلف ظاهر الخطاب الجمالي، والذي تحكمه آليات متنوعة لا تنفصل عن التأثيرات المؤسساتية التي تشكل بنية المجتمع الثقافية، مرورا بالمعرفة والسلطة، وهو ما يؤثر في النصوص الجمالية كمسوغ لأبنية مضمرة. وهي سمة أدبية أولى تضمن للنص استمراره وبقاءه، كمعادل لمجمل السلوكيات التي يتم التعبير عنها عن طريق اللاوعي أساسا …

ولما كانت الخطابات لا تركن إلى ما تقدمه البلاغة من أحكام، حين لا تتجاوز كونها تنظر إلى الأشياء الجميلة بنوع من الحذر، دون مساءلة كيف حصل هذا الجمال، فإنها بذلك تعجز عن الكشف عن مضمرات الخطاب الثقافي وعن كيف تتشكل أنساقها. بل كيف يمكن للنسق المضمر أن يقدم تفسيرا لمجموعة من المظاهر والظواهر المرتبطة بآليات الحكم والسلطة والتاريخ والفن كالأمثال مثلا…ولهذا نجد التعبير عبر الوسيط الرقمي الجديد يتمرد على كل أنواع السلوك التقليدية، وفي نفس الوقت يؤسس لمنطق جديد لأنساق ثقافة أخرى.. »غير أن هذه الأنساق الظاهرة غالبا ما تكون أنساقا مخاتلة تتحايل على المضمر الثقافي المغيب والمسكوت عنه، وتكمن أهمية هذه المضمرات النسقية في كونها تستحضر البنيات الثقافية التي تستضمرها هذه الأمثال، والتي تتسرب فينا عبر حيلها ونستجيب لها بسرعة وانفعال، وهي استجابة تنم عن توافقها مع شيء مضمر فينا وبطريقة غير واعية، وذلك دون أن نفكر أحيانا فيما تحمله هذه الأمثال من مضمرات ثقافية مضادة؛ كأن يكون المثل عن النساء أو عن العِرق أو عن الألقاب أو عن الطبقات الاجتماعية أو عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وكذا مختلف الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أفرزتها »

والنسق بمفهومه العام هو جماع لعناصر متنوعة، يجمع بينها علاقة توحدها، وتتشابك لتشكل وحدة دلالية. وبهذا يكون النسق في شكله الظاهر أو الخفي هو الوجه المعادل لكل ظاهرة من الظواهر، كشكل ترميزي يتعدى أحادية الدلالة، بل ينفتح على مجموعة لا نهائية من التأويلات. ويغدو النسق في شكله الفلسفي رهانا نظريا متعاليا يهدف إلى جعل مبدإ التعميم استمرارا تاريخيا لسيرورة ثقافية.
والنسق الثقافي كمظهر لساني يحتفظ بعلاقاته التاريخية ضمن مؤسسة اجتماعية وبعلاقاته مع باقي النصوص، بتعدد مدلولاتها، إذ أن » كل خطاب يخفي داخله القدرة على أن يقول غير ما قاله، وأن يغلف أيضا عددا من المعاني، وهذا يعكس وفرة المدلول بالنسبة للدال الواحد والوحيد، وعليه فإن الخطاب امتلاء وثراء لا حد لهما  » . والخطاب بالقدر الذي يعتقد امتلاك المدلول ينفتح على عجزه عن احتواء الكل. من هنا كان للسياقات المضمرة دور في ترتيب هذا الكل، ولا تسمح إلا بتصريف جزئي عبر منطوق مادي أو معنوي. ويغدو الخطاب بذلك مجوعة من المتواليات الرمزية المنتظمة في نسق مجتمعي، هو وجه التفاعل مع المحيط بكل مظاهره المتعالقة والمتقابلة في ثنائيات بنائية تجري وراء القبض على المعنى.
وأعتقد أن هذا التصور لا يعفي النظر إلى النسق كمعطى ضروري لمبدإ الوجود، مما يجعل من حركيته سؤالا أنطولوجيا يتشكل باستمرار عبر أنماط تعبيرية تتجدد بتجدد العناصر المكونة للظواهر. وحين نتحدث عن الشعر مثلا، نستحضر علاقة الشاعر بالخليفة والسلطة والمرأة والدين وغيرها عبر العصور، وقد غدا الخطاب الشعري ترميزا للعنف أو الفقد والهجر… لا يمكن استنطاقها دون العودة إلى المضمرات النصية التي لا تتكشف إلا بالنظر للعلاقات التي نسجها تاريخ الإنسان وهو يبني تصوراته عن ذاته الثقافية. وقليلا ما يكون الخطاب تصريحا عن موقف، كما نجد مع عمرو بن كلثوم في الافتتاح بذكر الخمرة أو أبي نواس حين أمره الخليفة بالتزام الطلل في مقدمة شعره، يقول ابن رشيق:  » وقوله وهو عند الحاتمي فيما روى عن بعض أشياخه أفضل ابتداء صنعه شاعر من القدماء والمحدثين:
صفةُ الطلول بلاغةُ القُـدم
فاجعلْ صفاتك لابنةِ الكرم
ولما سجنه الخليفة على اشتهاره بالخمرة، وأخذ عليه أن لا يذكرها في شعره قال:
دعاني إلى نعت الطلول مسـلط
تضيـق ذراعي أن أرد لهُ أمــرا
فسمعاً أمير المؤمنين وطـاعة
وإن كنت قد جشمتني مركباً وعرا
فجاهر بأن وصفه الأطلال والقفر إنما هو من خشية الإمام، وإلا فهو عنده فراغ وجهل، وكان شعوبي اللسان، فما أدري ما وراء ذلك، وإن في اللسان وكثرة ولعه بالشيء لشاهداً عدلاً لا ترد شهادته » . وفي مثل الكلام شهادة على أن الشاعر يعيش ضمن إكراهات لا حصر لها، لا تنكشف إلا بالغوص في منظومة الأنساق التي تنتجها، ولا يتم الإعلان عنها إلا بمظاهر تعبيرية بلاغية وجمالية.
والنسق الثقافي لا يتحدد بظاهر النص، بل كما يرى عبد الله الغذامي:  » يتحدد النسق عبر وظيفته، وليس عبر وجوده المجرد، والوظيفة النسقية لا تحدث إلا في وضع محدد ومقيد، وهذا يكون حينما يتعارض نسقان أو نظامان من أنظمة الخطاب أحدهما ظاهر والآخر مضمر، ويكون المضمر ناقضا وناسخا للظاهر. ويكون ذلك في نص واحد، أو في ما هو في حكم النص الواحد. ويشترط في النص أن يكون جماليا، وأن يكون جماهيريا. ولسنا نقصد الجمالي حسب الشرط النقدي المؤسساتي، وإنما الجمالي هو ما اعتبرته الرعية الثقافية جميلا  » .
إن هذا السؤال يمكن صياغته مثلا على الشكل الآتي: كيف تعامل الباحث العربي والمغربي مع ثقافة الوسائط الرقمية والتواصل الاجتماعي بشكل عـام، والفيسبوكية بشكل خاص؟
لقد جاء السؤال بهذا النوع طلباً للخروج من سؤالين ظلّت البحوث في ثقافة الوسائط الاجتماعية – في نظرنا- مشدودة إليهما، وهما: الهوية الثقافية في مواجهة السلطة، والتي تستهدف التعبير عن الإقصاء التاريخي لرافدين مهمين يعتبران أساسا للتطور الثقافي هما :الحرية والإبداع. أي ثم كيف يمكن للثقافة أن تحافظ على تميزها وخصوصيتها مع ضرورة الانخراط في الثقافة المعاصرة التي تتخذ الوسيط الرقمي أداة للتواصل مع باقي ثقافات العالم.
وتعتبر الإجابة عن هذا الإشكال محورا مركزيا في الدراسات التي تحدثت عن علاقة الخصوصية بالعولمة (الكونية) مع محمد عابد الجابري وسالم يفوت وغيرهما، وقوفا على أن فكرة التهديد تقوم بعملية الهدم من الداخل، بما يعني أن الثقافة العربية مثلا، لا يمكن أن تصبح غيرها إلا بما تضمره وتحتويه من الثقافات الأخرى للدول المتقدمة التي اعتمدت التقنية والتكنولوجيا كآلية لتسريب ثقافة الاستهلاك. وهي فكرة على كثير من الخطورة لأنها تتسلل من خلال آليات ذكية، تدعمها الآلية الاقتصادية الكاسحة، كالإشهار والصورة والقنوات التلفزيونية والجمعيات الإحسانية التي لا تجد صعوبة في دخول المجتمعات المتخلفة عبر مؤسسات سياسية وثقافية واجتماعية محلية هجينة. من هنا لا يكون التحول الثقافي غير وجه لإعادة إنتاج نفس المنظومة الثقافية التي تحافظ على نفس الأبنية الفكرية والثقافية، إن لم يتحقق نوع من الحرية في مساءلة هذا الوسيط. أي أمام هذا الزحف تصبح الثقافة الوسيلة الأساسة للرد، بل الكشف عن الأنظمة المتحكمة في الثقافة الكونية.

وموضوع البحث في الأنساق المضمرة في ثقافة الوسيط الاجتماعي المعروف ب « الفيسبوك » يعكس مادته وموضوعه. فالمادة في مظهرها جمالية على الأقل، تعكس التحولات التاريخية والسياسية والجغرافية للإنسان المغربي والعربي، وما يقتضيه الفعل الوجودي من ضرورات المقاومة لثقافة الورق التي تجعل من الكتابة بالحبر حارسا، لا يكف عن محاصرة الرغبة في المشاركة الثقافية لتحرير الذات تربويا وإعلاميا وسياسيا … هكذا أصبح البحث عن المضمر في الخطاب الشعري بحثا في أسباب ودواعي انتشار التعبير على صفحات المواقع الرقمية، وكأن المتلقي الافتراضي قد عدد من وَجهِهِ لتقبل ما ينشر، كما يفسح للناشر حرية أكبر، ما دام يعتبره بعيدا عن سلطة القمع في حال عدم استساغة النص/الكلام .
واقتصارا على الأشكال الشعرية الفيسبوكية التي تعلن عن نفسها كنصوص أدبيه لها ما يميزها، يكون السؤال ذا طبيعة ثقافية تنطلق من كيفية التعامل مع الخطاب الثقافي الشعري، الذي يتميز عن النص المكتوب، رغم ما تحيل عليه جميع أنواع النصوص بالترابط والتعالق ضمن مرجعية ثقافية جامعة.

إنه سؤال يقتضي دراسة متنٍ شعري محدّد للكشف عن الخلفيات التي أنتجت الثقافة الشعرية الجديدة، والاستراتيجية التي تعامل بها مبدعوها. وتطبيقا لفكرة الأنساق التي أسس لها النقد الثقافي، نرى أنه لم يعد يجدي ثقافيا أن نتوقف عند حدود رصد جماليات الصورة على أنها تشبيه أو مجاز أو استعارة..، دون أن نبحث عن الأنساق التي تؤطر هذه الجماليات الفنية، بما أن النص هو مجموعة من العلامات الثقافية والسيميائية التي بناها الفعل التركيبي والنحوي والبلاغي في أصولها، قبل أن تتحول إلى بلاغة شعرية .
وفي اعتماد الدقة ومنطق التحليل الذي يقف عند التفاصيل التي كثيراً ما أغفلتها الدراسات التي تناولت الثقافة الفيسبوكية على الفضاء الأزرق، وبشكل لا يتجاوز في أغلبه رصد العلاقات الترابطية للنصوص أو البحث في أجناس الأدب الرقمي وأصوله وأنواعه الموزعة بين النصوص الرقمية البسيطة أو المركبة، فإن عملية البحث لا يمكن أن تستخلص قوانين وقواعد عامة دون مواكبة عينات من النصوص التي تسافر عبر مواقع التواصل الاجتماعي في العالم بمختلف ثقافاته ولغاته، وهو أمر تقصر عنه الترجمات والبحوث، ما دام أصحاب النصوص يتنوعون لغة وثقافة، محكومين بخلفية اجتماعية وسيكولوجية خاصة. وهذا يجعل من تحديد مجال الاشتغال أمرا صعبا وضروريا في آن، قبل عقد المقارنات لجغرافيا الثقافة العربية والكونية. وأن اعتبار الدراسة التفصيلية لمتن شعري فيسبوكي معين، لا يشذ عن باقي الدراسات التي تنزع إلى استلهام علوم متنوعة كعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، وعلم النفس، والتاريخ، واللسانيات البنيوية والتوليدية والتداولية وغيرها، رغبة في بلوغ الخلفيات المتحكمة في بنية الأنساق المضمرة.

إن المنجز الإبداعي في الثقافة الفيسبوكية يعكس قوة اختزالية تسمح له باختراق المشهد الثقافي، وهو ما جعل منه معينا خصبا، لا غنى لدارس المشهد الثقافي المغربي عنه. ولا يعني أن البحث في الثقافة الفيسبوكية يستغني عن النظر إلى الثقافة المكتوبة على الورق، وهو أمر جاد وطبيعي تحكمه الأعراف الثقافية والعلاقات التي لا يستطع الإنسان العربي التخلص منها، كما لا يمنعه ذلك من الانخراط في ثقافة رقمية مؤسسة على أنماط من الوسائط الجديدة، التي لم يستوعبها الإنسان المغربي إلا من باب الشعور باستعادة كينونته المجروحة تاريخيا، فيبحث عن استنطاق المسكوت عنه في كتاب الذات الموزعة بين الصفحات، كسلسلة من طبقات السفر في الدواخل بحثا عن معنى فآخر، من الظاهر إلى الخفي وبشكل مترابط. وقد أشار الباحث سعيد يقطين إلى اعتبار الترابط مفهوما يجعل من النصوص الرقمية امتدادا للكتاب في الانتقال بين صفحاته.
وبناء على هذه الاعتبارات المنهجية يتوجب على الدارس إبعاد العناصر الخارج فيسبوكية مؤقتا، إذ لا يجب استحضارها إلا كعناصر للمقارنة في الدراسة، مع استلهام المفاهيم والمصطلحات التي يمكن أن تعين على فهم الضرورات التي تغري بالتعامل مع الوسائط الجديدة كمقابل لهواجس إنسانية في قراءة الكتاب … فالأنساق الثقافية المضمرة في الخطاب الشعري الفيسبوكي بالمغرب موضوع يحتاج من الدراسات الأكاديمية أن تجعل من ثقافة الفضاء الأزرق مساحة للبحث عن أبنية نظرية وفلسفية خاصة، على غرار الدراسات التي كتبت عن الثقافة الشفهية والمكتوبة.

إن الدراسات التي اهتمت بالبحث في المفاهيم والأصول التي استند عليها التجاوز الدلالي في القصيدة الشعرية المنشورة على صفحات الفيسبوك، تحاول أن تؤسس لتنظيرات مهمة على يد باحثين جادين من سعيد يقطين وزهور كرام ومحمد أسليم وغيرهم …وباقي الاهتمامات فهي في الأغلب الأعم، لا تخرج عن الاحتفاء بما ينشر، إما استحسانا أو تقريضا بعبارة لا تحوي المطلوب، شأن من يسقط على النص تلك النظرة الحداثية التي توارثها أو أحدثها المثقف العربي منذ النصف الثاني من القرن العشرين، من حيث النظر إلى الحداثة كاستقطاب للغرب في سبقه، والتي استمر يوظفها بوعي أو بغير وعي، كما هو الشأن في الثقافة النقدية المغربية في الرواية والشعر والقصة منذ سبعينيات القرن الماضي…

إن أهمية دراسة المضمر، كتجلٍّ ثقافي يختزل الأبعاد التاريخية والاجتماعية والوجدانية التواصلية في الثقافة الشعرية الفيسبوكية بالمغرب، والتي تختزن رؤية عميقة حول ا  » الأنا  » وهي تجتر أسئلتها الجريحة، ولا يمكن الجواب عنها إلا من خلال البحث في الأنساق الثقافية العامة للمجتمع المغربي، وضمن باقي البحوث اللغوية والأنشطة الثقافية المؤسساتية التي تناولت موضوع الشعر في محاولة لقراءة المراجع والكتب التي أنجزت حول الثقافة الرقمية، والتي عرّفتْ بمجال خصب لا يزال يبحث عن أسسه ومفاهيمه النظرية.

ولعل انصراف بعض الأبحاث عن الفعل الثقافي إلى مناقشة الخلفيات التي تحرك الهوية الثقافية الفيسبوكية، قد سقطت خارج الثقافة الهوياتية حين لا تبحث عن الأبعاد النفسية والاجتماعية والسياسية التي تجعل من الفعل الثقافي فعلَ كل الفئات الاجتماعية، وتلج حقل الثقافة دون شعور بنقص. كل ذلك يجعل من الدراسات الأكاديمية المنجزة، لا تعلن نهاية البحث في مختلف الظواهر التي يعكسها شكل شعري لغوي إبداعي معين على صفحات الفيسبوك، ويبرر ذلك انفتاح المبدع والقارئ على أجناس أدبية وفنية عدة، محلية وعالمية، فاختلطت الأجناس بالأنواع شكلا وتشكيلا، لم تمهل النقد أن يستعيد هويته واندماجه وحقيقته في الثقافة العامة.
إن ما يعتبر دراسة للنسق الثقافي المضمر في الشعر المغربي، لم تتجاوز تعليقات تتم في مناسبات عابرة. أما البحث عن كيف أمكن للشاعر أن ينقل قدرته على الإبداع والابتكار إلى الفضاء الأزرق، فهي عملية لم يكن من اليسر الوقوف عليها من منظور العلاقة بين سياقين يوحيان بالاختلاف حد التعارض هما: سياق الثقافة العام الموسوم بالتقليدية، وسياق الحداثة من خلال أدوات التواصل الرقمية. وبينهما يتشكل خطاب ثالث جديد، هو تلك العلاقة المتحركة والمتوترة والمتشظية باستمرار، تكاد تكون السمة الأساس للتفاعل مع عالم الرقمنة المتشعب في أبنيته، وكأنك أمام حزمة من أوراق كتاب كبير يعتمد الترابطات النصية أساسا، ومع كتاب الواقع الكبير كمرجعية تاريخية تقع في محك السؤال.
إن دراسة النسق الثقافي المضمر في الشعر المغربي، تتطلب تحديد طبيعة الهوية العلمية للمجال الذي يتم فيه الاشتغال، مع تحديد منهج يلائم الدراسة لحقل ثقافي يتسم بتجدد السريع. وهذا يستوجب الانفتاح على الحداثة التقنية والابتعاد عن الأحكام النمطية والتقليدية. لأن العملية الإبداعية لم تعد مجرد انفعال وجداني، بل أصبحت عملية واعية تهدف إلى تحويل صورة الواقع تحويلا جذريا. ومنه الأدب عبر الوسيط الرقمي الجديد الذي يؤثر في الأدب ويحوله. وقد رأينا أن الخطاب الفني السائد في المغرب لم يتمرد على الوسائط الجديدة بل عانقها، وجعل من علاقة الإبداع الفني بالتكنولوجيا مواجهةً حقيقيةً لآليات ثقافة التواصل التقليدية. ولعل هذه التحديدات المفاهيمية تسهم في الكشف عن دور الوسائطيات المتعددة الجديدة وأثرها في الأدب، وعلى الشعر كجنس أدبي له تقاليد ضاربة في القدم.
إن مفهوم الأدب الرقمي، الذي تبناه المهتمون بهذا النوع، دون شك يروم الوصول إلى مفهوم تقعيدي عام، يكون أقرب إلى الشمولية والاستجابة للتطور الهائل والسريع لمختلف الوسائط الرقمية، مبرزين مدى تأثيرها على جنس الشعر والشاعر في آن، خاصة أن المفهوم لا يزال يحتاج لضبط ما علقه من تعميم، كما تقر بذلك د. زهور كرام بقولها،  » بناء على طريقة تأملنا في تجربة الأدب في علاقته بالتكنولوجيا، فإن الأدب الرقمي هو مفهوم عام تنضوي تحته كل التعبيرات الأدبية التي يتم إنتاجها رقميا. والمترابط مفهوم يعيّن الحالة الأجناسية لهذا الأدب، أما التفاعلي فهو إجراء رقمي عبره تتحقق رقمنة النص. لكنها تأويلات لدلالات مفاهيم قابلة للتحول وفق مستجدات تجربة النصوص » .
إن تحليلا كاشفا عن آليات اشتغال المضمر في سياقاته التاريخية والاجتماعية والثقافية يتطلب مقاربة المضمر لأشكال التفاعل مع الوسيط الرقمي، بين الذوبان والاغتراب في ثالوث المكان والزمان والآلة، وطريقة تأطيرها لأشكال تعبيرية داخل الوسيط الرقمي، بحيث يكون فيه الكاتب مواجِها (بالكسر) ومواجَها (بالفتح)، تلك المواجهة المتشعبة بين الذات والوسيط والنص. وضمن هذا الثالوث تحضر أطياف أخرى كخليط من الوعي واللاوعي اللذين يشكلان الذات الثقافية. وكلها تتجه نحو بنية النص وكيف يصل إلى المتلقي الذي يستخبر عن الذات، التي تبث مواجعها صمتا وهي تتحدث شعرا، عبر المد والوقف في القصيدة والشذرة والومضة التي تعتمد على لغة الاختزال الذي يتساوق مع تدفق نداءات الذات من خلال صفحات التواصل الاجتماعي، وتقضي بالاختصار في أغلبها، نظرا لكونها بين متلق افتراضي حرٍّ وعابر. وهذه الحرية تمنح المتلقي سفرا بين النصوص التي تفسر مسار الرحلة وتُرتِّبُها وفق قراءة مضمرةٍ ومنتِجة لتجربةٍ جديدة ومترابطة، يمكن أن تؤسس لرؤية يستخلص منها النقد مفاهيمه الجديدة، كما ترى الباحثة زهور كرام عن القصة والرواية حين تقول : » ولهذا، فكل مقترب من النصوص التي تعتمد المنطق الترابطي في الكتابة الروائية الحالية، أو من النص الترابطي /الرقمي ، معتمدا على المفاهيم السابقة في تناول الأدب، وقراءته، وغير مستحضر لمبدأ التطور الذي تعرفه تجربة الأدب، وبدون سند من التجربة السابقة/الحالية للتجريبي، فلا شك أنه سيعتبر التجربة غامضة، وغير مفهومة، وليست لها علاقة بالأدب، وقد يؤدي به الأمر إلى رفضها، و التخلي عن تجربة وصفها وتحليلها. إن المنطق الترابطي استمرار للتجريبي في إعادة ترتيب نظام النص الأدبي » .
إنه ليس من سبيل للأدب إلا أن يدخل عالم الوسائط الرقمية، بحيث يعيش حياة البناء والهدم التي هي سمة التطور، وعلى النقد أيضا أن لا يدخل عالم النصوص الرقمية بهاجس التمجيد للماضي، مقدسا الأسس والمفاهيم النقدية التقليدية، أو الانطلاق من حكم جاهز على أن ما ينشر في الشاشة الزرقاء لا يرقى للنظر والتفحص، بل الأدب حرية وابتكار، والبلاغة سمة اللغات الكونية التي لا تخلو في أي استعمال. إننا إذن أمام كتاب مفتوح يعيد ترتيب أوراقه على صفحات تاريخ الأدب، بحثا في المسكوت عنه طوعا وقسرا، وفق إكراهات السلط اللغوية والاجتماعية والقيمية والعُرفية وغيرها. وحري بالبحث أن يقف على ما يتيحه هذا المجال الرقمي من إمكانات الدراسة للأنساق االثقافية المضمرة لكل أنواع الكتابة الفكرية والإبداعية، والتي تتحقق عبر النظر في الترابطات النصية، أفقيا وعموديا، كتجربة ثقافية، تمتح آلياتها من المد التاريخي الشعبي والتفاعلات بين الأنساق التي عمل فيها تنوع الصراع السياسي الثقافي عبر العصور. وهذا يستوجب الوقوف على الأنساق بالتحليل والتفسير وليس على النص الذي صنعته المؤسسات المختلفة، أي أن دراسة النص الجمالي يجب أن ينظر إليه في علاقاته بمحيطه وظروف إنتاجه الثقافية والتاريخية والاجتماعية والسياسية، لأنه هو المعبر نحو اكتشاف الحيل الثقافية التي تضمر أنساقه.

الهوامش
1. د. عبد الرحمان إكيدر، الأنساق الثقافية المضمرة في الأمثال العربية القديمة- مجلة : دراسات أدبية وفكرية العدد 68 الصفحة 9.
2. ميشيل فوكو : حفريات المعرفة ص 110
3. ابن رشيق : العمدة في محاسن الشعر وآدابه – باب المبدأ والخروج والنهاية –الجزء الأول- ص232 .
4. عبد الله الغذامي، النقد الثقافي قراءة في الأنساق الثقافية العربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط 3، 2005، ص 78.
5. زهور كرام http://www.oudnad.net/spip.php?article945
6. نفسه